عقيد جورج .. هل تسمعنى ؟

 

قال لي الفتي النابه: ألم تخبرني منذ سنوات طوال عن العقيد جورج، والفريق فؤاد عزيز غالي، واللواء شفيق متري سدراك؟
تطلعت إليه معجبا ومتأثرا، انه يحفظ الرتب والأسماء، بل ويمكنه أن يسرد ما يتعلق بهم أفضل مني، فقد تسربت تفاصيل عديدة من ذاكرتي مع تقدم العمر إلي العدم، اما هو فما تزال ذاكرته فتية، لم يكتف بما أخبرته، بل مضي ليطالع معارك الاستنزاف وأكتوبر.

عندما لاحظ طول صمتي، قال: لماذا لا تذكر الناس بهؤلاء وغيرهم في الظرف العصيب الذي يمر فيه الوطن الآن؟
الثلاثة الذين حدثت الفتي عنهم من كبار قادة القوات المسلحة، أصفهم الآن بالأقباط لكن زمن العبور لم يكن ذلك يعني شيئا، العميد فؤاد غالي قائد الفرقة الثامنة عشرة، احد أهم التشكيلات المقاتلة، انها الفرقة التي حررت القنطرة شرق، عرفته شخصيا، رأيت الصلة بينه وبين جنوده، قبطي، مسلم، لم نكن نفكر هكذا، فؤاد عزيز، حسن أبوسعدة، عبدالمنعم خليل، لم تكن الديانة مطروحة علي الاطلاق، شفيق متري سدراك استشهد في معارك الثغرة، اما العقيد جورج فعلاقتي به تشبه الأساطير.
في مكان ما، ليلة ما، لا أذكر المكان الآن في الصحراء قرب السويس، ليلة زمن حرب الاستنزاف تكاثفت نجومها. نزلت من السيارة بصحبة زميلي مكرم جاد الكريم ومرافق من القوات المسلحة، مشينا مسافة، إلي ان وصلنا مرتفعا من الأرض، تتوسطه فتحة نزلنا منها إلي ممر قصير لنجد أنفسنا في غرفة عمليات حديثة جدا، مركز قيادة أحد ألوية الدفاع الجوي، في هذا المكان التقيت بالعقيد جورج، مصري عتيد، عميق، يفيض جدعنة وعلما وشجاعة، رافقنا في طريق العودة، بقيت في ذاكرتي شخصيته بدون ملامحه، حتي عندما رأيت صورته في صفحة وفيات الأهرام منذ سنوات، احيل إلي التقاعد برتبة الفريق، وطوال سنوات خدمته كنت أسمع أخباره، وأصغي إلي عبارات الاعجاب به، كان شقيقي احد رجال الدفاع الجوي ومنه كنت اطمئن علي العقيد جورج، ظل بالنسبة لي هو العقيد جورج، هو الذي عرفته تلك الليلة، مازلت استعيد عباراته ومشيته، ولا اذكر ملامحه، لذلك تحول عندي العقيد جورج إلي معني، أصبح رمزا لأبناء هذا الوطن الذي لا يعرف التفرقة الدينية في أزمنة عافيته، عندما رأيت نعيه وقفت وبسطت يدي اقرأ عليه الفاتحة، لقد غادر دنيانا، انتقل من حال إلي حال. وبقي عندي وعند من عرفوه رمزا وقدوة.
هأنذا ايها الفتي الطيب، يا من تفيض وطنية وقلقا علي مصر، هأنذا ألبي وأحكي عن العقيد جورج، عن زمن لم تفرق فيه رصاصات العدو بين مسلم ومسيحي، هأنا أذكر، لعل الذكري تبلغ أولئك الذين واجه بعضهم بعضا في الإسكندرية .

Best view : IE6 , Screen resolution 800 by 600 pixels